السيد محمدحسين الطباطبائي

19

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

ألقاها والأصول التي أعطاها اختلاف بتناقض بعضها مع بعض وتنافي شيء منها مع آخر ، فالآية تفسّر الآية والبعض يبيّن البعض ، والجملة تصدّق الجملة كما قال أمير المؤمنين علي عليه السّلام ( ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ) « 1 » ولو كان من عند غير اللّه لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحّة ومن حيث الإتقان والمتانة . فإن قلت : هذه مجرّد دعوى لا تتكي على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات وإشكالات جمة ربّما ألّف فيه التأليفات ، وهي إشكالات لفظيّة ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنويّة تعود إلى خطئه في آرائه وأنظاره وتعليماته ، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلّا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة . قلت : ما أشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب ، فالإشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان . ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلّا وهي مذكورة في مسفورات المفسّرين مع أجوبتها فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها ، ونعم ما قيل : لو كانت عين الحب متّهمة فعين البغض أولى بالتهمة . فإن قلت : فما تقول في النسخ الواقع في القرآن وقد نص عليه القرآن نفسه في قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها « 2 » ، وقوله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ « 3 » ، وهل النسخ إلّا اختلاف في النظر لو سلّمنا أنّه ليس من قبيل المناقضة في القول ؟ .

--> ( 1 ) نهج البلاغة . ( 2 ) البقرة - 106 . ( 3 ) النحل - 101 .